كريم نجيب الأغر
325
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
والعظام مشتقة من عظم ، وكلمة « عظم » تشير في اللغة العربية إلى ما هو قوي وشديد . قال ابن فارس : « العين والظاء والميم أصل واحد يدل على كبر وقوّة ، فالعظم مصدر الشيء العظيم ، وعظمة الذراع مستغلظها . . . ومن الباب : العظم معروف ، وسمي بذلك لقوته وشدته » « 1 » . والشدّة نسبية ، فإذا قارنا نسيج المضغة الميزانكيمي مع الغضروف ، استنتجنا أن الغضروف أشد من النسيج الميزانكيمي ، وذلك لأنه في نهاية المطاف نسيج متكثّف ، والتكثّف أشد وأغلظ وأثقل من النسيج الميزانكيمي الليّن ، وهو أصلب منه ، وبالتالي فالغضروف من الناحية اللغوية نوع من العظام . وهكذا فإن الحقائق العلمية تتّفق مع معاني ودلالات النص القرآني : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً [ المؤمنون : 14 ] بأن هيكلا صلبا يتولّد في المرحلة التي تقع بعد مرحلة المضغة داخل النسيج اللين الذي يتألف منه الجنين . وقد يتساءل البعض أن العظام لم يكتمل تطوّرها بعد ، ولم تظهر في صورتها النهائية ، فهل لنا أن نقول إن العظام ظهرت قبل اللحم كما تشير إليه الآية : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] ، والحال أن تمامها يتأخّر إلى ما بعد طور العظام ؟ وذلك أن نموذجا غضروفيا يتكوّن ، ومن ثمّ يتخلّق اللحم ، وأثناء كسو اللحم ، وبعده ، يتعظّم النموذج الغضروفي تدريجيّا ، نقول - وبالله التوفيق - : إن ذكر خلق المضغة عظاما جاء مقرونا بفاء « الترتيب والتعقيب » ، وهذه الفاء توجّه الأنظار إلى ابتداء الخلق وليس إلى صيرورته ، فهي تقارن بين الطور الذي تتكلم عنه بالنسبة للطور الذي قبله ، وبالتالي فإن خلق الغضروف هو بمثابة خلق عظام بالنسبة لطور المضغة ، لا بالنسبة إلى الأطوار المتأخرة ، حيث يكتمل تخلّق العظام . انظر تعليقنا في الحاشية عن تأخّر تمام خلق العظام . يقول الرضي عن وظيفة الفاء التي جاءت في الآية رقم 14 من سورة المؤمنون : « فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] ، نظرا إلى ابتداء كلّ طور » « 2 » .
--> ( 1 ) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ، ( ج 4 / ص 355 ) . ( 2 ) لقد رأينا أعلاه كيف أن الآية رقم 14 من سورة المؤمنون تشير إلى أن هيكلا صلبا في الجنين يتخلّق ، ويكوّن عظما بالنسبة للطور الذي سبقه ، ولكن ما الدليل على أن الآية تشير إلى أن تخلّق العظام يستمر إلى أن يكتمل تخلّقه في مرحلة متأخّرة ؟ وبذلك تؤكّد أن الذي أنزل القرآن يعلم تمام العلم أن العظام تتطور على النحو المذكور ؛ أي أنها تتخلّق بصورة بدائيّة ، ومن ثمّ يكتمل تخلّقها بعد حين ، فيتبيّن لنا بذلك أن الآية -